ليست ظاهرةُ تسلّط الأصاغر على الأكابر حدثًا عابرًا في تاريخ البشر، ولا طارئًا ينشأ من فراغ، بل هي ثمرة اختلالٍ عميق يسبق الوقائع بزمن طويل. فقبل أن تتغيّر المواقع، تكون القلوب قد اختلّ ميزانها، وقبل أن تُسلَب الحكمة من الصدارة، تكون النفوس قد استثقلت ثقلها. وفي الميزان العرفاني، لا يُنظر إلى هذا التسلّط بوصفه صراعًا بين أشخاص، بل بوصفه انحرافًا في مسار المعنى حين تتقدّم النفس على الروح، ويُقدَّم الظاهر على الباطن. الأكابر، في عالم المعنى، ليسوا أصحاب سلطة ولا أرباب صيت، بل أهل رسوخ وسكينة. هم الذين علّمتهم التجربة أن الحقيقة لا تُحمَل بالعجلة، وأن الحكمة لا تحتاج إلى صراخ كي تُسمَع. ولذلك يقلّ حضورهم في ميادين التنافس، لا عجزًا ولا تخلّيًا، بل إدراكًا منهم أن كثيرًا من الصراعات ليست ميدان حق، بل ساحة تغذية للنفس. هذا الترفّع عن المنازعة لا يعني انسحابًا من المسؤولية، بل تحفظًا على الانخراط في واقعٍ فُقدت فيه الموازين.
وحين يخفُت صوت الحكمة بهذا المعنى، لا يبقى الفراغ طويلًا، إذ تتقدّم الأصاغر لملئه. والأصاغر هنا ليسوا صغار أعمار، بل صغار همم، لم تنضج نفوسهم بعد لتحمل ثقل المعنى، فطلبوا التقدّم قبل الاكتمال، والسلطة قبل التزكية، والظهور قبل النضج. يتسلّطون لا لأنهم أهل لذلك، بل لأن الزمن حين يفتقد الصبر، يختار الأسرع لا الأصدق، والأجرأ لا الأعمق.
ومع استقرار هذا التسلّط، يبدأ طورٌ آخر أكثر دلالة: طور إقصاء الأكابر لا باختيارهم هذه المرّة، بل بطبيعة الواقع الجديد نفسه. فالحكيم، بحضوره الهادئ، يربك المشهد القائم على السطحية، وعمقه يفضح خواء الخطاب، وثباته يكشف تهافت الادعاء. لذلك لا يُحتمل وجوده طويلًا، لا لضعف فيه، بل لقوة المعنى الذي يحمله. فيُدفع إلى الهامش، أو يُساء فهمه، أو يُتَّهم، لأن كل واقعٍ فقد بوصلته يعادي من يذكّره بالاتجاه.
غير أن العرفان لا يقرأ هذا الإقصاء بوصفه هزيمة، بل امتحانًا. امتحانًا للأكابر في قدرتهم على الصبر دون مرارة، وعلى الثبات دون قسوة، وعلى حفظ الأدب مع الحق حين تضيق السبل. وامتحانًا للأصاغر في انكشافهم التدريجي، إذ إن التسلّط إذا خلا من الحكمة تحوّل إلى عبء، وإن طال أمده، لأن ما لم يُبنَ على معنى لا يصمد أمام الزمن.
وحين تطول هذه المرحلة، يخيَّل للناس أن الموازين قد انقلبت إلى غير رجعة، وأن السطح انتصر نهائيًا على العمق. غير أن أهل البصيرة يعلمون أن الموازين لا تُلغى، بل تُؤجَّل، وأن الحق لا يُهزم، بل يُمتحَن. فما رُفع بغير استحقاق، لا يستقر، وما قام على فراغ، لا يدوم، لأن البقاء في ميزان العرفان ليس للقوة الظاهرة، بل للثبات الباطني.
وفي النهاية، لا يُقاس مقام الإنسان بما أُعطي من تمكين، بل بما حُفظ له من جوهر. قد يتقدّم الأصغر زمنًا، لكن الأكبر يبقى معنى. وقد يعلو الصوت حينًا، لكن النور لا يحتاج إلى ضجيج ليظهر. وهكذا يمضي التاريخ في دوراته، وتبقى الحقيقة صامتة، راسخة، تنتظر أن تعود القلوب إلى ميزانها، لا بصخب، بل بسكينة الحق.
ومما يزيد المشهد عمقًا أن تسلّط الأصاغر لا يكتفي بتغيير مواقع الأشخاص، بل يُعيد تشكيل اللغة نفسها. فحين تغيب الحكمة، تُفرَّغ الكلمات من معانيها، ويُستبدل العمق بالشعارات، ويصير الخطاب أداة تبرير لا وسيلة كشف. عندها لا يُحارَب العارف بالسيف، بل بالتشويش، ولا يُقصى بالحجة، بل بتكثير الضجيج حوله حتى يضيع صوته في الزحام. وهذه من أخطر علامات الانحراف، إذ تُقتل المعاني قبل أن تُقتل القيم. ثم إن هذا التسلّط ينعكس على النفوس قبل الأنظمة. فالأجيال التي تنشأ في ظل هيمنة الأصاغر تتعلم التقدّم بلا تزكية، وتعتاد الوصول بلا استحقاق، فينشأ وهمٌ جماعيّ بأن الطريق إلى التأثير يمر عبر الجرأة لا عبر الصبر، وعبر الظهور لا عبر البناء. وهنا تتحول الأزمة من خللٍ عابر إلى نمطٍ متوارث، ما لم تتداركه يقظة داخلية تعيد الاعتبار للتدرّج، ولثقل التجربة، ولأدب الطريق.
ومع ذلك، يبقى للأكابر دورٌ خفيّ لا تراه العيون السطحية. فهم، وإن أُقصوا عن المشهد، يظلون حراس المعنى في الخفاء، يحفظون الجذوة من الانطفاء، وينقلون الحكمة خارج دوائر الصراع. وجودهم أشبه بالجذور تحت الأرض، لا تُرى، لكنها تمنع الشجرة من السقوط. وبهذا المعنى، فإن غيابهم الظاهري ليس غيابًا حقيقيًا، بل انتقالًا من مقام التأثير العلني إلى مقام الحفظ العميق.

